حيدر حب الله
529
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الحديثي ، فإنّ الباحثين الواثقين من هذا الموروث ، والمنسجمين عقديا وثقافيا وفقهيا معه كأغلب التيارات المدرسية ، لا يجدون ، بل لا يشعرون ، بعدد هام من الأحاديث الموضوعة ، حتّى يرموا باللائمة على محدّثي الإمامية السابقين كيف لم يصنّفوا في الموضوعات ، أما أولئك الذين يملكون قراءة نقدية لمضمون الكثير من الروايات ، سيما العقدية ، فهم يقرءون الموروث الشيعي حافلا بالنصوص الحديثية الباطلة غير المقبولة ، ممّا يثير فيهم إحساس ضرورة التصنيف في الموضوعات ، وتصفية الأحاديث ، كما يثير حفيظتهم لنقد تجربة علماء الحديث السابقين . من هنا لن نحكم لصالح هذا الطرف على ذاك ، لكن لدينا وقفات أكاديمية مع الرأيين : أولا : إنّ الشواهد التاريخية المسجّلة تؤكّد أن فريقا مهما من الإمامية على الأقل قد ساهم بقوّة في القرون الخمسة الهجرية الأولى في نقد الحديث ، برز فيهم رجال مدرسة قم المتشدّدين ، وعلى رأسهم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، الذي طرد من مدينة قم بعض من وصفوا بأنّهم من كبار رجال الحديث ، لا لضعفهم ، بل لروايتهم عن الضعفاء وإكثارهم من المراسيل . وعليه ، فمن المؤكّد أن فريقا نقّادا في الوسط الشيعي ظهر قبل الكليني ، كما لا نشك في وجود ظاهرة متشدّدة عموما من الحديث كانت موجودة في القرنين الرابع والخامس ، أمّا القول بأنّ الشيعة صفّوا أحاديثهم من الموضوعات على دفعتين ، فلم تعد هناك حاجة للتصفية ، فهو قول يحتاج إلى مزيد من التأمّل ، إذ هل لدينا اطّلاع على ما كان عند الشيعة من روايات حتى نعرف هل أحسن الكليني في الانتخاب أم لم يحسن ؟ كيف يمكن غضّ الطرف عن موقف مثل الشيخ المفيد من الشيخ الصدوق وفريق المحدّثين آنذاك وهو يحمل عليهم بعدم التمييز والنقد المضموني للأحاديث ؟ ! هل شهادة المرتضى التي نقدت رجال الحديث - وقد أسلفنا هذه الكلمات في الفصل الثاني من هذا الكتاب - هامشية لا ينبغي الوقوف عندها ؟ ! ربما احتجنا إلى المزيد من البحث لنعرف هل أصاب المحدّثون آنذاك أم أخطئوا ؟ ولسنا نقصد بذلك إبطال ما بأيدينا قدر ما نقصد مجموع ما بأيدينا وما حذفوه ولم يصل إلينا ، فلعلّنا لو اطلعنا على ما حذف - مع ما أبقي - لآخذناهم واختلفنا معهم في موازينهم . ثانيا : إذا كان الشيعة قلقين على انهيار مكانة السنّة بفتح ملفّ الموضوعات فهم مخطئون ، وشاهدنا على هذا الخطأ رصد الموقف السنّي ، فقد صنّف السنة في الموضوعات الكثير ، لكن اعتقادهم بمصادرهم الحديثية ظلّ أقوى من اعتقاد الشيعة بتلك المصادر ، إنّ